ابن عطية الأندلسي

114

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

وتعجب فمعناه إن هذا الأمر إن عن فحقه أن يتعجب منه لغرابته وبعده عن المألوف من شكر المنعم ، والواو في قوله وَكُنْتُمْ واو الحال ، واختلف في ترتيب هاتين الموتتين والحياتين : فقال ابن عباس وابن مسعود ومجاهد : « فالمعنى كنتم أمواتا معدومين قبل أن تخلقوا دارسين ، كما يقال للشيء الدارس ميت ، ثم خلقتم وأخرجتم إلى الدنيا فأحياكم ثم أماتكم الموت المعهود ، ثم يحييكم للبعث يوم القيامة » . وقال آخرون : « كنتم أمواتا بكون آدم من طين ميتا قبل أن يحيى ثم نفخ فيه الروح فأحياكم بحياة آدم ثم يميتكم ثم يحييكم على ما تقدم » . وقال قتادة : « كنتم أمواتا في أصلاب آبائكم فأخرجتم إلى الدنيا فأحياكم ثم كما تقدم » . وقال غيره : « كنتم أمواتا في الأرحام قبل نفخ الروح ثم أحياكم بالإخراج إلى الدنيا ثم كما تقدم » . وقال ابن زيد : « إن اللّه تعالى أخرج نسم بني آدم أمثال الذر ثم أماتهم بعد ذلك فهو قوله وكنتم أمواتا ، ثم أحياهم بالإخراج إلى الدنيا ثم كما تقدم » . وقال ابن عباس وأبو صالح : « كنتم أمواتا بالموت المعهود ثم أحياكم للسؤال في القبور ، ثم أماتكم فيها ، ثم أحياكم للبعث » . وروي عن ابن عباس أيضا أنه قال : « وكنتم أمواتا بالخمول فأحياكم بأن ذكرتم وشرفتم بهذا الدين والنبي الذي جاءكم » . قال القاضي أبو محمد رحمه اللّه : والقول الأول هو أولى هذه الأقوال ، لأنه الذي لا محيد للكفار عن الإقرار به في أول ترتيبه ، ثم إن قوله أولا كُنْتُمْ أَمْواتاً وإسناده آخرا الإماتة إليه تبارك وتعالى مما يقوي ذلك القول ، وإذا أذعنت نفوس الكفار لكونهم أمواتا معدومين ثم للإحياء في الدنيا ثم للإماتة فيها قوي عليهم لزوم الإحياء الآخر ، وجاء جحدهم له دعوى لا حجة عليها ، والضمير في إِلَيْهِ عائد على اللّه تعالى أي إلى ثوابه أو عقابه ، وقيل هو عائد على الاحياء ، والأول أظهر . وقرأ جمهور الناس « ترجعون » بضم التاء وفتح الجيم . وقرأ ابن أبي إسحاق وابن محيصن وابن يعمر وسلام والفياض بن غزوان ويعقوب الحضرمي : « يرجع ويرجعون وترجعون » بفتح الياء والتاء حيث وقع . و خَلَقَ * معناه اخترع وأوجد بعد العدم ، وقد يقال في الإنسان خلق بعد إنشائه شيئا ، ومنه قول الشاعر : [ زهير بن أبي سلمى ] [ الكامل ] ولأنت تفري ما خلقت وبعض * القوم يخلق ثم لا يفري ومنه قول الآخر : [ مجزوء الكامل ] من كان يخلق ما يقو * ل فحيلتي فيه قليله و لَكُمْ : معناه للاعتبار ، ويدل على ذلك ما قبله وما بعده من نصب العبر : الإحياء ، والإماتة ، والخلق ، والاستواء إلى السماء وتسويتها .